9% فقط من اللاجئين الأوكرانيين في الدول الإسكندنافية يريدون العودة إلى أوكرانيا فور انتهاء الحرب، بحسب تقرير جديد صادر عن معهد NIBR. وأكثر ما يحدد رغبتهم في العودة هو ثقتهم بالسلطات الأوكرانية، لا المنطقة التي ينحدرون منها في أوكرانيا ولا مدى الضرر الذي لحق بمدينتهم.
ماذا يقول البحث الجديد عن العودة إلى أوكرانيا؟
أجرت مؤسسة الأبحاث NIBR التابعة لجامعة OsloMet، بتكليف من وزارة الخارجية النرويجية، دراسة حول ما يلزم كي يرغب اللاجئون الأوكرانيون في العودة إلى ديارهم. ويستند التقرير Why return to Ukraine? (تقرير NIBR 2025:4) إلى استطلاع شمل 3,379 أوكرانياً نازحاً في النرويج والسويد والدنمارك وفنلندا، أُجري في خريف عام 2024 وشتاء عام 2025، إضافة إلى مقابلات مع اللاجئين والسلطات الأوكرانية على حد سواء.
لا تمنح الأرقام كبير أمل للسلطات الأوكرانية التي تحلم بعودة واسعة النطاق:
- 9% يقولون إنهم سيعودون فور انتهاء الحرب.
- 14% سيعودون على المدى الأبعد.
- نحو النصف لا يخططون للعودة إلى الديار في القريب العاجل، وحوالى 40% لا يتصوّرون العودة إلى أوكرانيا على الإطلاق.
ومن النقاط المهمة أن معظم الناس يريدون العودة إلى مدينتهم الأصلية فحسب. فنسبة 82% كاملة يقولون إنهم يفضّلون البقاء في البلد المضيف على بدء حياة جديدة في مدينة أوكرانية أخرى، مثلاً إذا كانت مدينتهم الأصلية محتلة أو مدمّرة.
الثقة بالسلطات هي الأهم
عندما أجرى الباحثون تحليلاً انحدارياً للإجابات، برز عامل واحد بوصفه الأقوى بوضوح: ثقة المستجيبين بالسلطات الأوكرانية. فبغياب هذه الثقة يكون احتمال الرغبة في العودة منخفضاً جداً.
والأكثر إثارة للدهشة هو ما لم يجده الباحثون. فالمنطقة التي ينحدر منها الناس في أوكرانيا، وما إذا كانت منطقتهم خاضعة للسيطرة الروسية، أو مدى الضرر الذي لحق بها جرّاء الحرب، لا أثر يُذكر له في رغبتهم بالعودة. أما القادمون من مناطق كانت محتلة ثم حرّرتها القوات الأوكرانية لاحقاً فهم رغم ذلك أكثر تحفّزاً قليلاً للعودة.
نصفهم (51%) يخشون المواقف السلبية ممن بقوا في أوكرانيا بعد غزو عام 2022. كما أن الرجال أقل ميلاً بكثير من النساء إلى الرغبة في العودة، وهو ما يفسّره الباحثون بأنه خوف من الوصم أو من التعبئة إلى الجبهة.
الأطفال هم السبب الأهم للبقاء
بالنسبة إلى الأسر التي لديها أطفال، يدور القرار قبل كل شيء حول الأطفال. فنسبة 86% يذكرون أن مستقبل أطفالهم غير المؤكد وغير المستقر كان حاسماً في قرارهم، و58% قلقون من مدى صعوبة إعادة أطفالهم إلى المدرسة الأوكرانية بعد سنوات عدة من الغياب.
الآباء المقيمون في النرويج ولديهم أطفال دون سن الـ18 أقل رغبة في العودة إلى الديار. ويصف عدد من اللاجئين الذين أُجريت معهم المقابلات في دراسة NIBR اصطحاب أطفالهم عائدين بأنه «اقتلاع للجذور من جديد». ونتناول هذا بمزيد من التفصيل في المقال عن الأطفال الأوكرانيين بين المدرسة النرويجية والمدرسة الأوكرانية.
وفي الوقت نفسه، تشدّ الروابط الأسرية في الاتجاهين معاً: فوجود زوج أو زوجة أو أطفال لا يزالون في أوكرانيا يزيد من الحافز على العودة.
لماذا يُعدّ رجوع «الأشخاص الخطأ» إلى الديار مشكلة؟
تكمن وراء سياسة العودة الأوكرانية أزمة ديموغرافية عميقة. فقد انخفض عدد السكان من نحو 52 مليوناً في أوائل تسعينيات القرن الماضي إلى ما يزيد قليلاً على 43 مليوناً قبيل الغزو الشامل عام 2022. وتعتمد وزارة الوحدة الوطنية تقديراً يبلغ نحو 32 مليوناً لعام 2024.
والمفارقة أن من يعودون فعلاً إلى ديارهم الآن هم في الغالب من كبار السن وذوي المشكلات الصحية، لا من هم في سن العمل ممن يمكنهم تعزيز القوى العاملة التي تحتاجها أوكرانيا أشدّ الحاجة. أما من هم في سن العمل فغالباً ما يبقون في الخارج.
ولمعالجة ذلك، أنشأت أوكرانيا في ديسمبر 2024 وزارة الوحدة الوطنية المتخصصة، برئاسة أوليكسي تشيرنيشوف. ويُفترض أن تتولى الوزارة بناء الهوية الوطنية وتيسير العودة الطوعية في آن واحد. كما يجري العمل على تعديل قانوني يتيح ازدواج الجنسية، وهو ما كان محظوراً سابقاً في أوكرانيا.
ماذا تعني هذه النتائج للأوكرانيين في النرويج؟
بتاريخ 1 مايو 2026، كان 86,184 أوكرانياً يتمتعون بالحماية الجماعية في النرويج، وفقاً لمديرية الهجرة UDI. وقد مُدّد العمل بهذا النظام «للمرة الأخيرة» حتى مارس 2027، ويمكن لمن حملوا التصريح أطول مدة أن يحصلوا على تمديد للسنة الرابعة والخامسة. وفي الوقت نفسه يجري تشديد القواعد: فاعتباراً من 5 مايو 2026 لن يحصل الرجال الأوكرانيون الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و60 عاماً على الحماية الجماعية تلقائياً، بل عليهم التقدّم بطلب للحصول على حماية فردية. اقرأ المزيد عن القواعد الجديدة للرجال الأوكرانيين في النرويج.
ويرى كلٌّ من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) والمنظمة الدولية للهجرة (IOM) أن شروط العودة الآمنة والكريمة لم تتوفر بعد، وأن العودة يجب أن تكون طوعية ومبنية على معرفة. ويشير البحث إلى أن السلطات النرويجية ترسل «إشارات مزدوجة»: فعلى المستوى الوطني يُشدَّد على أن الإقامة مؤقتة، بينما ترحّب البلديات وأصحاب العمل بالأيدي العاملة. وهذا الغموض يطبع الحياة اليومية لكثيرين. وقد تناولنا بمزيد من التفصيل كيف ينتقل الأوكرانيون من الحماية المؤقتة إلى العمل، وكذلك الطريق نحو الإقامة الدائمة للأوكرانيين في النرويج.
خلاصة البحث رصينة: لن يستقطب السلام العادل اللاجئين إلى ديارهم إلا جزئياً. فلا بد أولاً من توفر الثقة والأمان ومستقبل للأطفال.
المصدر: Holm-Hansen, J., Deineko, O., Myhre, M. H. & Aasland, A. (2025): Why return to Ukraine? An analysis of Ukraine's evolving return policies and the motivations of refugees to return. تقرير NIBR رقم 2025:4، أعدّته OsloMet بتكليف من وزارة الخارجية النرويجية. الأرقام والاقتباسات من المقابلات مأخوذة من التقرير. أحدث الأرقام حول الحماية في النرويج: UDI وregjeringen.no (2026).




