أدّت معارضة المساواة بين الجنسين في منطقة الشمال الأوروبي إلى جعل ظروف العمل أصعب على من يعملون في مجال المساواة بين الجنسين وحقوق فئة LGBTI. ويُظهر تقرير شمالي جديد لعام 2026 أنّ نصف هؤلاء تعرّضوا لتهديدات أو مضايقات في العمل، وأنّ نحو نصفهم يرون أنّ هذه المعارضة تضرّ بصحتهم.
نصف العاملين يتعرّضون لتهديدات ومضايقات
التقرير بعنوان «Opposition to gender equality in the Nordic countries» (معارضة المساواة بين الجنسين في دول الشمال الأوروبي) من تأليف الباحث يوليان هونكاسالو من جامعة هلسنكي، وبتمويل من مجلس وزراء دول الشمال. وقد صدر ضمن سلسلة TemaNord (2026:522)، ويستند إلى استبيان إلكتروني أُجري في مايو/أيار ويونيو/حزيران 2025.
والمشاركون يعملون يوميًا في مجال المساواة والحقوق — في المنظمات التطوعية وغير الربحية، وفي الأوساط الأكاديمية، وفي القطاع العام. وجميع دول الشمال الأوروبي ممثَّلة، وتتراوح الموضوعات بين المساواة الكلاسيكية بين النساء والرجال وحقوق فئة LGBTI. ولا يقيس الاستبيان مواقف عامة الناس، بل ظروف العمل اليومية لمن تُعدّ المساواة بين الجنسين مجال تخصّصهم.
والصورة التي يرسمها قاتمة. فنصف المشاركين يفيدون بأنهم تعرّضوا لتهديدات أو مضايقات في العمل. ويقول نحو النصف إنّ المعارضة تؤثّر في صحتهم النفسية والجسدية معًا. ويتحدّث كثيرون عن التوتر والإرهاق والإجازات المرضية — وعن أنهم ينسحبون من المهام التي تجعلهم ظاهرين أمام الجمهور. ولعلّ هذه أخطر النتائج: فالمعارضة تدفع الناس إلى الصمت، فتختفي أصوات مهمة من النقاش العام.
ماذا تعني «معارضة المساواة بين الجنسين»
نادرًا ما تكون معارضة المساواة بين الجنسين عنفًا صريحًا. بل غالبًا ما تكون سيلًا متواصلًا من التنمّر الإلكتروني ورسائل الكراهية والتهديدات ومحاولات ترهيب الأفراد لإسكاتهم. ويصف الباحثون ذلك بأنه حركة منظَّمة «مناهضة للنوع الاجتماعي» (anti-gender): ردّة فعل سياسية وثقافية موجَّهة ضدّ حقوق النساء وحقوق فئة LGBTI على حدّ سواء.
وقد يتّخذ ذلك شكل رسائل كراهية عبر البريد الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي، أو نشر معلومات خاصة، أو الضغط على أصحاب العمل والشركاء. والقاسم المشترك أنّ المستهدَف هم الأفراد — لا القضايا فحسب — وأنّ المعرَّضين للخطر هم العاملون في مجال المساواة بين الجنسين والعاملون في مجال حقوق LGBTI معًا.
والجديد أنّ منطقة الشمال الأوروبي — التي طالما اعتُبرت نموذجًا يُحتذى في المساواة — لم تعد بمنأى عن ذلك. ففي عدّة دول، تُعاد اليوم مساءلة حقوق كانت راسخة منذ زمن. وقد أعرب وزراء المساواة بين الجنسين في دول الشمال أنفسهم عن «قلق عميق» إزاء تصاعد ردّة الفعل ضدّ المساواة وحقوق فئة LGBTI «عالميًا وداخل منطقة الشمال الأوروبي» على السواء. ويضع التقرير الجديد أرقامًا توضّح كيف تصيب هذه الردّة من هم في الصفوف الأمامية.
المساواة بين الجنسين قيمة أساسية في النرويج
بالنسبة إليك أنت المقيم في النرويج، ليست هذه قضية بعيدة. فالمساواة بين الجنسين من القيم التي يقوم عليها المجتمع النرويجي، وهي موضوع ثابت في اختبار المعرفة المجتمعية (samfunnskunnskapsprøven). والنرويج من أكثر دول العالم تحقيقًا للمساواة بين الجنسين: ففي مؤشّر الفجوة بين الجنسين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025، تحتلّ النرويج المرتبة الثالثة بعد آيسلندا وفنلندا. وللبلاد تقليد طويل في سياسات المساواة، من دخول النساء سوق العمل إلى إجازة الوالدية التي تُقتسم بين الأم والأب — ولهذا تحديدًا يُلاحَظ الأمر حين يشتدّ الضغط. وفي اختبار المعرفة المجتمعية يُتوقَّع منك أن تعرف أنّ للنساء والرجال حقوقًا متساوية، وأنّ التمييز على أساس الجنس أو الميل الجنسي محظور في النرويج.
والمساواة بين الجنسين مكفولة بالقانون أيضًا. فقانون المساواة ومناهضة التمييز، الذي دخل حيّز التنفيذ في 1 يناير/كانون الثاني 2018، يحظر التمييز على أسس منها الجنس والميل الجنسي والهوية الجنسانية والتعبير الجنساني. ويقدّم أمين المظالم للمساواة ومناهضة التمييز (LDO) الإرشاد، فيما تنظر لجنة مناهضة التمييز في الشكاوى. وإن أردت أن تفهم ما ينطبق فعليًا، يمكنك أن تقرأ المزيد عن المساواة بين الجنسين في النرويج وعن حقوق فئة LGBTI في النرويج.
مشكلة في بيئة العمل، لا مجرّد جدل حول القيم
من النقاط المهمة في التقرير أنّ التهديدات والمضايقات ليست مجرّد جدل سياسي حول القيم — بل هي أيضًا مشكلة في بيئة العمل. فحين يتعرّض نصف فئة مهنية للتهديد في العمل، ويمرض كثيرون أو ينسحبون، تقع المسؤولية على صاحب العمل والمجتمع، لا على الفرد وحده.
وفي النرويج يشترط قانون بيئة العمل توفير بيئة عمل سليمة تمامًا، ويجب حماية الموظفين من المضايقة والسلوك غير اللائق. وهذا ينطبق أيًّا كان نوع العمل. لذا فإنّ مضايقة من يعملون في مجال المساواة بين الجنسين ليست «جزءًا من العمل»، بل أمرٌ على صاحب العمل واجب التصدّي له. ويمكنك أن تقرأ المزيد عن حقوق العامل السارية في الحياة العملية النرويجية.
حين يصبح الخوف مشكلة ديمقراطية
لا تتوقّف العواقب عند العامل الفرد. فحين ينسحب المختصّون والباحثون والمتطوّعون من النقاش العام خوفًا من الكراهية، يصبح النقاش أفقر. وتصبح القرارات المتعلّقة بالمساواة والحياة الأسرية والصحة والحقوق عرضةً لأن تُتّخذ من دون الأصوات الأعرف بهذا المجال. ويشير التقرير إلى هذا بالضبط: فحين تؤتي المعارضة غايتها، لا تكون مشكلة شخصية فحسب، بل خسارة للمجتمع كلّه. ولذلك فإنّ ظروف العمل الآمنة لهذه الفئة هي أيضًا مسألة تتعلّق بنوع الحوار العام الذي نريده.
ماذا يوصي به التقرير
سأل هونكاسالو المشاركين أيضًا عمّا يساعد فعلًا. وتبرز ثلاثة تدابير:
- حماية قانونية أقوى. حماية قانونية أوضح من التهديدات والكراهية والمضايقات الموجَّهة لمن يعملون في مجال المساواة بين الجنسين.
- دعم علني. أن يقف القادة والساسة والمؤسسات علنًا إلى جانب المستهدَفين، حتى لا يبقى الفرد وحده.
- دعم نفسي وتدريب. إتاحة الرعاية النفسية مقترنةً بتدريب موجَّه على التعامل مع التهديدات والمضايقات.
والقاسم المشترك بين هذه التدابير أنها تنقل المسؤولية من الفرد إلى أصحاب العمل والسلطات والمجتمع ككل.
دول الشمال: «نتعهّد بألّا نتراجع أبدًا»
يأتي التقرير في وقت عزّزت فيه دول الشمال الأوروبي تعاونها السياسي بشأن المساواة بين الجنسين. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، اعتمد وزراء المساواة بين الجنسين وشؤون LGBTI في دول الشمال إعلانًا مشتركًا رسالته «نتعهّد بألّا نتراجع أبدًا» (We vow to never go back). ومن خلال مبادرة «Pushing for progress 2025–2027»، خصّص مجلس وزراء دول الشمال، بالتعاون مع مؤسسة بيل وميليندا غيتس، 20 مليون كرونة دنماركية للدفاع عن المساواة بين الجنسين وتطويرها في المنطقة.
والفكرة من وراء ذلك أنّ المساواة بين الجنسين ليست انتصارًا يُحرَز مرّة واحدة وإلى الأبد، بل أمرٌ يجب الدفاع عنه باستمرار. فالديمقراطية الحيّة تتوقّف على قدرة الناس على المشاركة في النقاش العام دون أن يُرهَبوا إلى الصمت — وهو ما يمكنك أن تقرأ عنه المزيد في عرضنا كيف تعمل الديمقراطية في النرويج.
والتقرير تذكير بأنّ النتائج الشمالية الجيّدة ليست أمرًا مفروغًا منه. فهي تقوم على أناس يؤدّون كل يوم عملًا بات أصعب بوضوح — ويحتاجون إلى أن يقف معهم أصحاب العمل والمجتمع الأوسع على السواء.




